عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي
124
دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )
طبقته أحد » . « 1 » هذه الرواية التي ذكرناها تدلّ بوضوح على خصومة أعداء الشيعة وحقدهم بالنسبة إلى السيّد ولم يكن هذا إلّا « نظراً لالتزامه الفكري الذي لم يرق لأتباع السّلاطين » . « 2 » إنّ الأثر البارز في حياة السيد هو تفانيه في حبّ أئمّة أهل البيت ونشر مناقبهم بشعره وبيانه ولسانه ، ونقده اللاذع لأعداء العترة الطاهرة ومناوئيهم . وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ أكثر شعراء العصر العباسي قد انكبّوا على بلاط الجهاز الحاكم رغبة منهم في الصلة والعطايا ، ولكن السيد أبعد نفسه عن هذه الوصمة ولم يتكسّب في شعره وأبى الوقوف على أبواب الخلفاء والأمراء يطلب المال أو يسألهم العطاء ، وإن سأل يسأل ربّه على نحو ما يفهم من خطابه لأحد شعراء عصره ، وفي ذلك يتّضح مذهبه الالتزامي : « 3 » أيُّها الَمادِحُ العِبَادَ لِيُعْطَى * إنَّ للهِ مَا بِأيْدِي العِبَادِ فَسْألِ اللهَ مَا طَلَبْتَ إلَيهِم * وَرْجُ نَفْعَ المُنَزِّلِ العَوّادِ « 4 » لاتَقُلْ فِي الجَوَادِ مَا لَيسَ فِيهِ * وَتُسَمِّى البَخِيلَ بِسْمِ الجَوَادِ فالحميرى كان يرفض حبّ الخلفاء والأمراء والمداهنة والتملّق لهم من أجل الكسب أو العطاء ، لذلك كان منكراً أشدّ الإنكار للشعراء المتزلفين من أجل العطاء في حين كان يحاول أن ينقدهم نقداً لاذعاً ، هدفه في ذلك تقويم سلوكهم . والأبيات السابقة إن دلّت على شئٍ فإنّما تدلّ على عفّته وإبائه ، رافضاً المال والجاه التي كان يستمتع بها سابقوه ومعاصروه من الشعراء وقد كان منكراً أفعالهم ناقداً عيوبهم وأمورهم ، كما أنّها تذكرنا بما انغمس فيه الأدب في هذا العصر ، حيث غلب مديح الخلفاء والسلاطين على سائر الأغراض الشعرية ، غير أنّ السيد يعتقد أنّ الله تعالى هو الذي يعطي من يشاء ، ومن هذا نستخلص أنّ الشاعر كان ملتزماً بقضايا فكرية مستقاة من تعاليم القرآن والأئمة المعصومين .
--> ( 1 ) - أبو الفرج الأصفهاني ، الأغاني ، ج - 7 ، ص 255 . ( 2 ) - البستاني ، محمود . ص 451 . ( 3 ) - الحميري ، الديوان ، ص 83 . ( 4 ) - العوّاد : البارّ واللطيف . الذي يُعيد النّعم بكثرة .